يوتوبيا صغيرة.

التاسعة والنصف صباحاً، وعقلي يجوب العالم..
هناك رجُلان في إحدي بقاع الأرض لم يناما بعد، مثلي تماماً،
الأول قد تكاثرت عليه الأعمال، الأموال هنا وهناك، الأمجاد تلاحقه، وشغفه لا يكف عن العبث، لن ينام طول الأمد حتماً..
أما الثاني، فقد أجهده تكاثُر الأعمال أيضاً، لكن بلا أموال ولا أمجاد، لا يحصل حتي قوت أولاده، هرِم من السعي وراء المال، لم يطلب مجداً يوماً أو حتي الكثر من المال، طلب فقط قوت يومه، ولكنه الآن يكتشف أن قوت اليوم يعادل عشرة أيام من العمل الشاق.. لن ينام حتي ينهار، هذا مؤكد.
لماذا أرمقهما أنا إذاً؟ ما دخلي بهما؟.. لا أدري..
لكن الشغف يعبث معي مثل الأول، والحزن يغمرني مثل الثاني.. فيأخني عقلي لمدارٍ آخر للعالم..
حيث يكون لشغفي مجدٌ، تُسقي بها آمال الآخرين..
ويكون لعملي أطنان من المال، تَبث الرزق في الجيوب الفارغة، ذات الأيادي الساعية.
يا عقلي الصغير، تقبل ما سنه الكون علينا من أحكام…
أعلم، أتفهم توجسك من هذا الموقف المهين..
رجلان، يعملان ويكدحان، لماذا الأول في شاشات التلفاز يتحدث عن أمجاده، والثاني تحجرت أنامله من ضرب الحديد بالنار..
أعلم أن نساؤلك منطقي.. لماذا العدل منسي في هذا العالم؟..
لكن المنطق ينفي كونك -في حجمك هذا- تبرزُ فجأة، تقلب كل أمور العالم، من غوغاء إلي يوتوبيا..
يا سيدي الصغير، ليست كل اللوحات قابلة للرسم، ولا كل السيمفونيات سهلة العزف.. حتي الأمجاد، ليست كلها قابلة للبناء..
كفانا أمالاً كاذبة، كلانا يعلم، أن الأرض وإن إنقلبت رأساً علي عقب، ستظل أرضاً، وأننا لن نحيا سوياً في جِنان جنوننا، أو في جحيم عالمٍ آخر ينتظر مجيئنا..

Advertisements

أثينا لا تعرف النوم..

-منيرفا، صغيرتي التي شقيت قبل الأوان، قد مر وقتٌ طول علي لقاكِ، كيف للآلهة لا تقابل بعضها البعض، كيف للآباء لا تلقي أبناأها! كيف لعذراء مثلك أن تتحمل وحدتها كل هذا العمر، بدون رفيق ولا صديق، ألم تملي حمل هذا الدرع يوماً؟
-أبي المعظم، زيوس، كما تعلم، فالشقاء ولد معي، ولدتُ من رأسك حاملةً درعاً وأحمالاً كانت تجوب ذهنك فإصطدمت بي.. لم أحمل إيجس فقط، بل جملت مطرقتك أيضاً.. كنت أبنتك المفضلة، وصرت حامية أرضك..
-عزيزتي، كفاكي هذا الكلام الصلب، جمالك يستحق الراحة لا الشقاء، قد يكون في ولادتك بدرعٍ حكمة، قد يدل الدرع علي وجوب وقايتك.. خدي قسطاً من الراحة، سأحمي أرضنا بكل ما أوتي من قوة. فأنا حامي الأرض وحاميكي كذلك..
-كفاك أنت، أنا أرعي العمال وأعرف مطالبهم، أعلم الفتيات ما ينفعهن، أأوي بني العلم تحت جناح بومتي، ليستضلوا بحكمتها.. مهما أغوتني نفسي إلي الراحة، سيذكرني ثقل هذا الدرع، إيجس.
-منيرفا،، لن آكل أهل الأرض.. أنا إلاههم، لم أسمع قط عن إلهٍ خذل بنيه..!
-سمعت أنا عن إلهٍ أكل بنيه، وإلهٍ أكل زوجه ببنيه.. نحن لسنا سوي مدعي ألوهية، زيوس.. نعرف الظاهر من الباطن ونتقن أعمالنا بحرفية، فيتوه الناس في قدرتنا.. لسنا سوي ساحرين يا زيوس..
-أتكفرين بنفسك!.. أجننتِ يا منيرفا! إن سمعكِ أحدٌ لثار الناس علينا..
-لا يسمع كل شيء سوي إله.. ومن يهمنا شأنهم ليسوا بآلهة.. فإطمئن يا أبتي.
-لا أعلم من قال أن هذا الهراء نبت من رأسي.. أنتِ حقاً من تسحرين لا أكثر.. ستحلمين بيومٍ من أيام كونك إبنتي المفضلة..
-لا لسن أنا من أسحر.. بوسدون سحر لكم بجمال حصانه، أما أنا فأبهرتكم بما قد يغيره زرع شجرة زيتون.. من منا الساحر هنا؟ ومن ما الأحمق؟ الحمقي معروفون.. والساحر كذلك معروفٌ لدي.. أما لكَ.. فلا شيء يبدوا مألوفاً مما أقول.
-منيرفا،، سأجعل عيناكي تشع دون النور رماد، ستوربن جروحك بالدموع قبل الدماء.. ستقعين لا محالة في سوء أعمالك.. وعندها سيحلوا الحساب.
-أضحكتني يا أبتي، عيناي ولدت رماداً لحطب هذه الأرض، وحطب عذابك ستكون اه وقوداً جديدا. لايهم لماذا كاكل هذا الحطب،، المهم هو كل هذا الحب الذي تذيبه دقائق حطبك.. إلي أين ومن أين أتي؟ من إلهٍ وإلي إلهٍ مجهول، إلي آلهةٍ مجهولة، إلي أُناس معلومين، فمن من يأتي كل هذا الحب؟ من المجهول للمعلوم أم هو نبتٌ من المعلوم ينير سماؤنا؟.. أياً من كان أو ما سيكون.. حاذر، فأبسط شرارٍ للنيران، ستذيب ألوهيتنا..

تقاليد إعتيادية،، تحكمها شريعة العنقاء.. 

يحدث في قرية عُنْق،، 
تتنافس السيدات علي مسارح الأسواق أيهن أكثر تجملاً،،  الرجلا تتهافت..  تلهث..  

علي الجانب الآخر رجالاً تعنف أطفالاً،، تمزق أعضائها وتحرق السنتها،، مشاهدن يستمتعون بالمشهد ويهللون.. 

أحدهم يمشي في سكون فيتهم بالشذوذ عن القطيع،، يصفونه بأحد العصارات ويتلذذون بمذاق دماء المعترضين علي الأوضاع أو كما أطلقوا عليهم “الزناديق المنحرفة” أو كما وصفهم عمدة القرية ب”الكفرة الأصماء”.. 

طفل يبدي إشمئزازاً من طعم الدماء التي يسقيها له أبوه عمداً،، أمه تزمجره وتسلمه للجلاد يلقنه درساً في تلذذ الدماء..  

طفلة أخري هناك فلم تفهم درس الجلاد بعد،، فكان خيار أبوها أن تكون هي شواء حفل الليلة..  

الشيخ يغادر المسجد بعد خطبة الجمعة المطولة التي أوضح فيها فضل السير في القطعان وفوائد الدماء في الكتب المقدسة،، يبحث بين البراميل عن أقدم الأنبذة وأجودها ليقدمها قرباناً لعمدة عُنْق..  

قسيس يضرب الأجراس مع كل ميتة في زناق،، ينادي في الناس بالإحتفال بإكتصاص جهنم بكل من خالف القطعان سيراً.. 

 العمدة مجهول الهوية،، لم يره أحد قط لكنه الفائز بالتزكية دوماً،، لم يجروء أحد علي ذكر أسمه علناً حتي تناسته الأجيال..  

 البيوت موحشة،، يملأها الحزن،، لكن العجب في حبهم الجاشيء له،، فلم يكن لأحد أن يحاول رسم بسمة حتي رافق أصدقائه بالسماء..  

 رائحة المادة المخدرة هي عطرهم المفضل هنا،، تشبه رائحة الدخان المتصاعد من حرق تفيل الماريجوانا،، حتي قرر المجلس المحلي زيادته علي دعم أهل القرية من غذاء وكساء،، زجاجتا عطر ورغيف،، تنهي الأولي فتكون قد إكتفيت دعمك،، تبدأ الثانية وأنت موقن أنهم أكرم الكرماء عليك،، فتتنازل عن الرغيف.. 

 النساء هنا يفقدن كل ما خلق فيهن من روح وجسد،، لم يعد إسمهن نساء في الحقيقة،، يدعوهم أهل القرية “الرحماء”.. ليس لرحمة قلوبهم،، بل نسبةً إلي أرحامهن،، فآداب اللغة ركيكة هنا كذلك.. لا أحد يهتم.. 

 الجميع هنا يموت مبتسماً،، لا أعلم السبب في الحقيقة لكنهم بالإجماع يموتون كذلك..  

 السلع هنا لا تلمسها بيدك،، فالتجار يتنافسون أيهم أدهي وأجود في تجسيد صورة المنتج لخيال المشتري،، الزبون اللذي يتخيل جمالاً أكثر للسلعة يدفع أكثر،، لا فتئة للسلع نفسها هنا يكفي الإحاء بها سبباً لوجودها.. 

 هم لا يعرفون كيف بدأوا،، أو لماذا،،  

 هم يعلمون أنهم هنا،، في سجون أحد الروايات،، فهذا يترك لهم بضعاً من الشعور بالذات التي نسوها.. 

 هم هنا ناسون منسيون،، لا يرقبون شيئاً ولكنهم مرقوبون.. 

 أهلاً بك سيدي في قرية العُنْق المنسية.. 

 

 

علي ناصية الكون المرئي،، 

أعددت العداد وشددت الرحال إستعداداً لرحلة الهرب التي طالماً رسمتها مخيلتي.. 

كتاب ملم بتاريخ الأرض خيره وشره،، أستعيد معه الذكريات الأليمة -اللعينة- بعد الرحيل..

حبال،، الكثير منها،، لعلي لست من هواة تسلق النجوم ولكن نيل المنايا علمني أن الحبال هي الوسيلة والوسيلة أهم حيناً من الكيفية.. 

قهوة،، وكوب مناسب،، فلا أعلم كم سأحتاج من الكافايين لأبقي يقظاً،، قد تغور عليّ النجوم ليالٍ طوال ويجبرني الأمل علي مواصلة العمل إضطراراً نحو الحد الأسمي..  

مقراب،، هذا أهمها،، لا أعلم إن كانت الحدود التي أبغاها هي النهاية أم كان فيما بعدها خلق أبهر،، ولا أدري ماهية ذلك الظلام الحالك الملون بذلك اللون الميكروويفي الشاغف،، قد أحسب الظلام نهاية ويكون هو بداية ما أبغاه،، لذلك سيفيد هذا لرؤية أكثر مبعدية..  

قوس وسهم،، لن أنل تلك الأهداف إلا بتصويب دقيق،، أجيد إستخدامهما جيداً،، مهما طالت الأهداف فمعي سهام وحبال تفي الغرض..  

الطعام والشراب يعلمان الطريق جيداً لمن قارب الموت دونهما،، لن أثقل الحمل بهما إذن..  

الرحلة طويلة وموحلة،، كما رسمت لها في مخيلتي فسيجري الآتي،، أو لعله يجري كما جري..  

أصيب أول هدف ألا وهو نجم سهيل،، كم سهرت معه وأخبرته تفاصيل هذه الرحلة،، سيقدر معاناتي ويثبت زمام الأسهم حتي تسلقي حباله..  

من هناك أزعم أني سأبدأ أحترق،، سأشع نوراً في أعين ذا اللذي يجلس يحكي عن رحلته المهووسة تلك لسهيل،، أوه، حتماً الأزمنة تداخلت في رأسي،، لكنه أمر يشبه أني سأدعوني في بعد آخر للقيام بتلك الرحلة،، مرعب ولكن ممتع التأمل..  

أرتدي زي مهيء لتلك الدرجات القصوي من الحرارة،، إذاً فلنفرض أني لن أشتعل الآن،، أو إني لم أدرك الحريق حتي..  

أزعم أني سأري الكون كما لم يراه أحد،، الجميع يري الكون من سطح جسم معتم،، أما أنا فأراه من سطح سهيل،، رباه! أنا فقط! أمر مرعب آخر..  

نكمل عدة السهام،، أصيب أهدافاً منوعة،، كواكب،، نيازك متحركة،، كويكبات،، من مجرة إلي مجرة،، أجرام لم أسمع عن مسمي لها قط لكني أجزم أن بني البشر ليفقدوا أبصارهم إبهاراً أمام جمالها لذلك حرمت علي أعينهم،، أو لسبب آخر أجهله..  

الهدف،، تلك النقطة بالتحديد،، حيث إنتهي عمل العلماء وحطمت وسائلهم وكف التجديف،، تلك الناصية،، كما أري فقد صنعت ناصية من العدم،، لا تبدوا مقوسة كما رسمت لها لاتساعها المبالغ فيه،، الطريق إليها يجوب له تعلم السباحة ضد التيار مئتي عام علي الأقل،، لكني قد نجوت،، فتعلم السباحة مئتي عام قد تتيحه بعض الكتب،، 

ها أنا أكتب لك رسالتي من مستقبل بعيد جداً،، قد تكون فيه روحك قد غارت لجسد آخر،، 

ولكني أقسم لك قيامك بها مراراً حتي الآن..  

ها أنا أجلس علي ناصية الكون اللذي قدرت علي رؤيته أعينكم بالفضاء الشاسع،، أراقب كوناً كائناً من العدم في أبهي صور العدم،، 

نعم سيدي فالعدم هنا ملموس ومرئي وعلي مسمعي..  

أنينه يحاكي لي قصص الماضي التي داومت قرآتها،، ويروي لي المستقبل.، ما قد أري وما لن أحضر،، أستدل منه صدق التاريخ وكذبه،، وأستكشف الحقائق وأتلاعب بالتواريخ،، 

أن تمسك بالعدم فتملك حتي سلطة عقلك الماضي اللذي حسبت أنه فني مع التراث..  

تحياتي من مركز العدم بجوفك..

راقب عدمك جيداً قد يكون لعبة مستقبل ما..  

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑